السيد علي عاشور

74

موسوعة أهل البيت ( ع )

أما الاحتمال الأول : فاتضح مما تقدم لغويته ، لأنه أولا : ينفي الإذن المسبق المطلق . إن قيل : كيف ؟ . قلنا : إذا اجتمع الاذنين رجعنا إلى الاحتمال الثالث ، ومع نفيه للإذن المسبق يلزم نفي علم الولي به لتوقفه على الاذن وهو باطل . ثانيا : قلنا أنّ اللّه منزّه عن الأمور الجزئية وشأنه اعطاء الإذن بمطلق الفعل ، مع إمكان العلم المطلق بعد الإذن به . ثالثا : عدم الحاجة إليه مع فرض وجود علم للإمام بإذن اللّه تعالى كما أشرنا إليه ويأتي في الاحتمال الرابع . أما الاحتمال الرابع فهو الصحيح ، وذلك بتوضيح زيادة عما قلناه في الاحتمال الثالث : فاعلم أن معنى الإذن هو معرفة الولي أن اللّه تعالى يرضى بذلك الفعل أو يحبه أو يريده ، فإذا قلنا أن الولي يعلم مسبقا برضى المولى أو إرادته ، فلا حاجة للإذن ، بل يكون من باب تحصيل الحاصل ، وهو لغو . وإن شئت قلت : علمه برضى مولاه إذن من مولاه ، لأن علم الإمام برضى اللّه بأفعاله ، والمفروض ان الإمام لا يفعل إلّا عن إرادة وحكمة ، وإرادته موافقه لإرادة اللّه تعالى ؛ ولا تصدر إلّا عن اللّه ولا يريد إلّا ما أراده كما في الأحاديث : ( لا يشاؤون إلّا ما يشاء اللّه ) ( نحن إذا شئنا شاء اللّه وإذا كرهنا كره اللّه ) . ( فإذا شاء شئنا ) « 1 » . والإمام عليه السّلام أيضا لا يفعل إلّا ما يحب اللّه أن يفعله ؛ فيكون فعل الإمام الصادر منه مرادا للّه ومحبوبا له وهو معنى الاذن . فهنا طريقان : 1 - أنّ إرادة الولي والإمام لا تتخلف عن إرادة المولى والله ، وأنه لا يريد إلّا ما أراد ولا يفعل إلّا ما أحب ، وهذا بنفسه إذن ويكفي لتصحيح العمل والفعل ، وهو المطلوب . 2 - أن نقول أنّ العلم من الإمام برضى مولاه يكفي ، فعلمه بمرتبة الإذن المسبق ، وإن كان في الواقع غير مسبق بل مقارنا للفعل كمقارنة الإرادة للفعل في الافعال التكوينية . لأن إرادة اللّه في - كن - مقارنة لقوله ، وفعله مقارن لإرادته ، وهما مقارنان لتحقق الفعل الخارجي ، وكلهم مقارنون لعلم اللّه ، فالامام - والذي إرادته موافقة لإرادة اللّه - إرادته مقارنة لفعله في الأمور الكونية ، بمعنى عدم احتياجه في فعله هذا إلى قول ونية وما شابه ذلك ، إذ يكفي في الأمر التكويني الميل نحو الفعل لكي يتحقق .

--> ( 1 ) بحار الأنوار : 24 / 305 ، و : 26 / 7 باب نادر في معرفتهم ، والهداية الكبرى : 359 .